صادف في إحدى رحلاتي إلى أمريكا، أن كان فيلم " الرقص مع الذئاب " ، في أيام عرضه الأولى . حرصت على أن أكون من أول الحاضرين، لما صاحبه من دعاية ضخمة وإعلان كثيف.
دخلت في إحدى صالات العرض الضخمة، وعلى عادة الأمريكان، لم يبدأ الفيلم إلا بعد أن سئمت من الدعايات للأفلام التي " ستأتي بعد صيف "!
ما أن بدأ الفيلم حتى سرح خيالي بعيدا إلى حيث كنت التقي مع العم" بخيت " الذي كنا نتقابل معه في قمة الجبل الذي نصعد إلى قمته كل يوم من الشرق ويقابلنا هو من الغرب، حيث يسكن هو في غرب الجبل ونحن في الشرق منه .
نتسابق مع أغنامنا إلى قمته التي تغازل السحاب بارتفاع يصل إلى حوالي ثمانية الآف قدم ، ونحن حفاة تماما مثل أغنامنا ، تتفوق علينا هي بأظلافها القاسية ، فأرجلنا وإن كانت قد فقدت بعض إحساسها من التشقق والجفاف ، إلا أنها ليست بقساوة أظلافها !
نتقابل في نقطة شبه معروفة في قمته، ونجلس في مكان مناسب - يعتمد اختيار كل منا لمجلسه على موقعه الاستراتيجي- بحيث يتمكن كل منا من رؤية أغنامه ، نحن نبحث عن الظل وهو يبحث عن الشمس؛" كل يبحث عما ينقصه !"
غالبا ما يبدأ هو في الحديث بحكم السن والخبرة، له خبرة في المدينة حيث كان موظفا لعدة سنوات، لذلك فإنه لا يكاد يسمع صوت سيارة أو ما شابهها إلا ويؤمي إلينا تارة بالإشارة وتارة بالكلام طالبا منا الإنصات للصوت الذي لا يكاد يظهر إلا ويختفي!
"تسمعون صوت المكينة ؟ هذه سيارة (العريكة) طالعة من
الجنش ، مسافرين الطايف، الله .. الله .. ليتني معهم وارتاح من هذا الغنم الذي أسرح به كل يوم، ما يريّحني حتى نهار العيد " !
يردد بصوته المبحوح : " مع العريكة في الطلعة وبهواها". ويتلوها بزفرة تجعلنا نشاركه الهم الذي نراه واضحا عليه ولا نستطيع إدراك سببه !
يكاد الحديث الذي يتحفنا به العم " بخيت " يلهينا عن مهمتنا الأساسية؛ رعي الغنم. لولا خبرته والأحاديث التي ما يفتأ يذكرنا بها عن الذئب من حين إلى حين. وخاصة قصة " مسك الذئب " التي يرويها لنا العم " بخيت " ولا يمل من تكرارها : " زمان قطّب مرزوق الذيب " !
يلتفت كل منا إلى غنمه ونتسابق في السؤال : كيف قطّب مرزوق الذيب ياعم بخيت؟! فيتبسم ويبدأ سرد الحكاية :" مرزوق هذا ياعيالي رجال شجاع ، ويش أقول لكم عن مرزوق ويش أخلي ، الله يرحمه ، الموت ما يأخذ إلا أمثال مرزوق !
الله يرحمه ، نردد بهدوء ، ونسكت لحظة ثم نطلب من عمنا "بخيت" أن يستمر : ايوه .. بالله كمل يا عم بخيت ، علمنا كيف مسك الذيب ، مسك الذيب .. يعني مسكه بيده .. يعني كيف بالله ؟!
ايو الله يا عيالي أنه مسكه بيده ، يوم من الأيام فتح البا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ